استيقظت من نومي اشعر بكسل غريب لم اعتاد عليه، حاولت المقاومة وأخذت أجر قدمي بتثاقل شديد، إلى أن ساقتني أقدامي أمام باب الحمام، أخذت حمامي المعتاد لكني لم أستمتع به كعادتي، فدائما كنت استمتع بإحساس المياه وهي تنساب فوق ظهري كأنها تتاعب جسدي، وما أجمل رائحة الصابون العطرة وهي تفوح لتملأ أنفاسي، لكني لم أشعر بكل هذا، انتهيت من حمامي، وخرجت من غرفتي متجهة إلى المطبخك، فربما كوب الشاي الأخضر المحلى بالعسل مشروبي المفضل يشعرني بتحسن، أعدت الشاي لنفسي فلطالما اعتدت أن أعده لنفسي، وكنت مع أول رشفة منه أشعر بأنني حقا استيقظت من نومي، وأن كوب الشاي أعادني للحياة من جديد، لكن هناك شئ غريب اليوم، هناك شئ مختلف أفقد كل شئ طعمه، وأفقد حياتي معناها.
اليوم هو أول أيام عيد الفطر، من المفترض أنه يوم مميز سعيد، فهذا أول عيد بعد قيام الثورة، كنت أنتظر هذا اليوم منذ فترة وكثيرا ما أخذت أفكر وأخطط ماذا سأفعل في هذا اليوم الشاهد على ميلاد مصر جديدة، لكني أفتقد شئ، شئ أضاع حماسي وهد عزيمتي وأفقدني مذاق متعتي بالعيد واللمة. !!!
حاولت أن أقنع نفسي أن ما أشعر به ما هو إلا أفكار سلبية تسللت إلى أفكاري، ولا يجب أن أستسلم لها، وقررت أن أفتش بنفسي عن فرحة العيد.
فتحت الكمبيوتر ووضعت أسطوانة لأغاني العيد وأخذنا نرقص على ألحان الأغاني وندندن بكلمات العيد فرحة، وبالرغم من أنني كنت أكثر الناس حماسا للرقص وأعلاهم غناء مع الأغاني إلى أن هناك صوت كان ينوح في أعماقي ويسألني مع كله ميلة يتمايل بها جسدي، ومع كل ضحكة اقهقه بها، هل حقا العيد فرحة !!!؟؟؟؟؟
تجاهلت ذلك الصوت والذي اعتبرته بمثابة شخص كئيب يدفعني إلى الكآبة ويحاول أن يسرق مني فرحتي بالعيد، ولكني كلما حاولت جاهدة أقناع نفسي بذلك جاءني السؤال مجددا .. هل حقا لديك فرحة بالعيد حتى يحاول أحدهم سرقتها منك ؟؟؟ !!!!
بعدما قضينا حوالي الساعة والنصف في الرقص والغناء والضحك واللعب قررت أن استسلم أخيرا للنوم ... وما أن ألقيت بجسدي المنهك على فراشي إلا وأخذ ذلك الصوت الذي ينوح من أعماقي يعلو مرة أخرى ويسألني هل حقا العيد فرحة ؟؟!!!!
لم أستطع النوم، نهضت من فراشي أحوم حوله لا أعلم ما أريد ؟ أو ماذا افتقد؟ ربما أفتقد أبي؟؟ لا لكنه ليس أبي، ليس هو المشكلة، فقد اعتدت على فقدانه، ولم أعد أشتاق حتى إليه، إذن ما تفتقدين؟؟ ماذا بك؟؟ لماذا كل هذا؟؟ أأفتقد حقا لشئ ؟؟ أم أنني أنبش وأفتش عن أي شئ لأجد سببا لما أثرثر به، أو سببا لما أسطر به في صفحات هلوساتي؟؟ !!!!
وفجأة حملت هاتفي المحمول وخرجت مهرولة من حجرتي متجهة إلى آخر الشقة وأخذت أحاول الاتصال برفقائي في الميدان واحدا يلي الآخر، ولكن لم يعطني أحدا جوابا، فربما لأن الساعة تجاوزت الثالثة صباحا، ربما نائمون، أو ربما أنهم ساهرون مع الأهل والأصدقاء، بدأ اليأس يتسلل إلى قلبي، فاليوم هو اليوم الثاني على التوالي لم آراهم، ولم نفطر سويا أو نتسحر سويا كما اعتدنا، لم نجلس لنتناقش ونهزي بكلمات وعبارات ربما لم يكن لها معنى، ولكنها كانت تجمعنا.
وفي وسط كل هذه الأفكار رن هاتفي، أسرعت إليه لأجد أخيرا أحدهم لازال ساهرا مثلي ربما أرقه الشعور بالوحدة، أو افتقد أيضا الثرثرة معنا.
دردشنا سويا قرب النصف ساعة، تارة نتذكر أشيا قضيناها في الماضي القريب، وتارة أخرى نثرثر بأشياء ليس لها معنى ولكنها أعادت لحياتي المعنى.
أغلقت الهاتف وقد أمتلأ صدري بأنفاس الارتياح والطمأنينة، ذهبت إلى فراشي واستسلمت للنوم، فقد أدركت حقا ما كنت أفتقد، نعم كنت أفتقدكم أنتم، أفتقد الحديث معكم، لم أعد استمتع بأي شئ في حياتي سوى أن أكون برفقتكم، نعم أصدقائي هم أختياري، كم أشتاق إليكم، وكم أشتاق للجلوس والضحك معكم، أحبكم يا من لونتم حياتي بألوان جديدة.
